تمرد يهزّ عالم الكي بوب: فرقة “نيوجينز” تكشف كواليس مظلمة في صناعة الموسيقى الكورية
في خطوة جريئة هزّت أركان صناعة الكي بوب، خرجت فرقة “نيوجينز“NewJeans” عن صمتها لتُفصح عن معاناة عاشتها خلف الكواليس، وتُعلن عن نزاع قضائي مع شركة “أدور” للإنتاج الفني، الشركة التي كانت وراء انطلاقتها الساطعة.
القضية التي تحولت إلى حديث الرأي العام في كوريا الجنوبية وخارجها، تسلط الضوء على الضغوط والقيود الصارمة التي تحيط بنجوم الكي بوب، وخصوصاً النساء منهن، في إطار نظام إنتاج يُعرف بتشديده على الانضباط والامتثال التام،
الانفجار المفاجئ للخلاف
في نوفمبر، أعلنت الفرقة التي تضم خمس فتيات – هاني، وهيين، وهارين، ودانييل، ومينجي – انفصالها عن شركة “أدور”، ووجهت اتهامات صريحة بسوء المعاملة والتضييق النفسي والمهني.

في المقابل، سارعت الشركة إلى رفع دعوى قضائية لتثبيت العقد القائم حتى عام 2029، وطلبت حكماً قضائياً يمنع الفرقة من القيام بأي نشاط فني خارج إشرافها.
المحكمة الكورية أصدرت لاحقاً قراراً مؤقتاً بمنع “نيوجينز” من إصدار الأغاني أو الظهور في الإعلانات بشكل مستقل، وهو ما وصفته عضوات الفرقة بالقرار “الصدمة”.
صراع داخل أروقة الكي بوب
في مقابلة مؤثرة مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC، تحدثت هايرين عن الشجاعة التي تطلبها الأمر للحديث علناً، قائلة: “رأينا أنه من الضروري أن يعرف العالم ما مررنا به. لم تكن قراراتنا متهورة، بل كانت أفضل ما نستطيع اتخاذه”.
أما العضوة هيين، فأشارت إلى اعتقاد البعض بأن شهرة الفرقة تمنحها حرية غير محدودة، إلا أن الواقع مغاير تماماً.
وكشفت العضوات عن ضغوطات مستمرة، وتجاهل متكرر لمطالباتهن بتحسين بيئة العمل والتعامل الإنساني، في ظل نظام صارم يحظر حتى التعبير عن المشاعر السلبية.
قضية حقوق لا نزاع فني فقط
من أبرز الانتقادات التي وُجهت لصناعة الكي بوب تاريخياً هي تجريد النجوم الشباب من حقوقهم كعاملين. فقد أعلنت وزارة العمل الكورية أن نجوم الكي بوب لا يُعتبرون “عمالًا” وبالتالي لا يملكون الحق في تقديم شكاوى ضد التحرش أو بيئات العمل السامة.
إحدى اللحظات الفارقة كانت عندما أدلت العضوة هاني بشهادتها باكية أمام مشرعين كوريين، متحدثة عن إحساسها بالنبذ والتهميش، وهو ما عمّق تعاطف الجمهور مع الفرقة.
دعم جماهيري وتمرد ناعم
على الرغم من محاولة عزل الفرقة فنياً وقانونياً، استطاعت العضوات تقديم أغنيتهن الجديدة “Pit Stop” في عرض مؤثر بمدينة هونغ كونغ تحت اسمهن الجديد “NJZ”، لتكون هذه الحفلة، على غير المتوقع، رسالة وداع مؤقت.
قالت مينجي: “حتى إن لم تسر الأمور كما أردنا، نحن نؤمن أن الوقت سيكون كفيلاً بإنصافنا”. وأضافت هاني: “لن نقدم على أي خطوة إلا إذا اتفقنا جميعاً. هذه وحدتنا، وهذه قوتنا”.
إرث فني في سنوات قليلة
منذ انطلاقتهن في يوليو 2022، لمع نجم “نيوجينز” بسرعة مذهلة، وتمكنت الفرقة من احتلال مكانة متقدمة في السوق العالمي، حيث أصبحت ثامن أكثر فرقة مبيعاً خلال عام واحد فقط، بفضل موسيقى مبتكرة تمزج بين الآر أند بي والبوب الكلاسيكي.
وصفهم النقاد بأنهم “مغيرو قواعد اللعبة”، ونجحت الفرقة في تكوين هوية فنية مميزة وقطع شوط فني لا يُستهان به في فترة زمنية قصيرة، وهو ما زاد من وقع الصدمة عند نشوب هذا الخلاف.
مستقبل غامض ومعركة مستمرة
في ظل استمرار النزاع القضائي، يبدو أن الصراع بين “نيوجينز” و”أدور” مرشح لأن يمتد لأشهر وربما سنوات. ومع ذلك، تؤكد الفرقة أنها لن تتراجع، مشددة على أنها تبحث عن بيئة آمنة تُمكنها من الإبداع والاستمرار دون قيد.
بين مؤيدين يرون في الفتيات رمزًا للتمرّد الواعي على ظلم متجذّر، ومنتقدين يتهمونهن بالتمرد غير المبرر، تظل “نيوجينز” عنوانًا لقضية أكبر: صراع الإنسان داخل منظومة تجرده من أبسط حقوقه مقابل الشهرة.
هل ستكون هذه الخطوة نقطة تحول في ثقافة صناعة الكي بوب؟ أم أنها ستمر كسحابة صيف أخرى في سماء الترفيه الكوري اللامعة؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.